يوسف المرعشلي
78
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
باحترام ، ويجلونه لعقله وكبر نفسه ورزانته ونزاهته ، وبقي محترما كبير المنزلة عظيم الجاه عند جميع الطبقات ، حتى بعد ما نشب الخلاف بين المسلمين والهنادك وحدثت الحروب الطائفية . وسافر إلى أوروبا مرة ثانية في سنة 1344 ه ، وزار عواصم أوروبا الكبيرة ، وزار سوريا وفلسطين ومصر ، واحتفت به هناك الأوساط الإسلامية . وكان مع اشتغاله بالسياسة دائم الاشتغال بالمطالعة ، شديد العناية بالصناعة الطبية ، كبير الاهتمام بتقدمها ورقيها ، بحسب تغير الأحوال وتقدم العلوم ، مواظبا على المداواة ، والعناية بالمرضى ، مشاركا في الحركات العلمية والمشاريع الخيرية ، رأس حفلة ندوة العلماء مرتين : مرة في دهلي في سنة 1328 ه ، وثانية في كانفور سنة 1345 ه ، له مشاركة جيدة في العلوم الأدبية ، صنّف له العلامة محمد طيب المكي والرامفوري « النفحة الأجملية في الصلاة الفعلية » واختير عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق . كان الشيخ أجمل جميلا وسيما ، حسن الشارة ، حلو المنطق ، لطيف العشرة ، حاضر البديهة ، خفيف الروح ، بشوشا مع رزانة ووقار ، وعفة نفس ، لا تعتريه الحدة ، ولا يغلبه الطيش ، بعيدا عن التبذّل ، وهجر الكلام . له مصنفات كثيرة ، منها : - « القول المرغوب في الماء المشروب » . - « إزالة المحن عن أكسير البدن » . - « إيقاظ النعسان في أغاليط الاستحسان » . - « التحفة الحامدية في الصناعة النكلسية » . - « الأوراق المزهرة والساعاتية » ، كلها باللغة العربية . وله : رسالة في الطاعون ، ورسالة في النحو ، ورسالة في تركيب الأدوية ، واستخراج درجاتها . وله : « المحاكمة بين القرشي والعلامة . - « حاشية على شرح الأسباب إلى مبحث السرسام » . - « اللغات الطبية والمحمودية مقدمة اللغات الطبية » . وله : « خطب مبتكرة » بالأردو ، و « مقالات معجبة في السياسة » ، و « مختارات في المسائل الطبية » . ومما خالف فيه جمهور الأطباء وهي عدة مسائل : 1 - تخصيص أيام البحران ، بحسب الدورة القمرية ، ليس بشيء ، لأنها لا تقع كثيرا في الأيام المخصوصة بها كما نشاهد ، ولذلك اضطروا إلى القول بتقدم البحران وتأخره . 2 - الحمى الصفراوية لا وجود لها لأن الصفراء لا تتعفن لوجوه ، أحدها : أن الصفراء تنصب من المرارة إلى الأمعاء فتمنع الفضول من التعفّن ، فالشيء الذي أودعه اللّه فيه منع التعفّن كيف يتعفّن ، وثانيها : أن الصفراء التي توجد في مرارة الحيوانات إذا وضعت في إناء فتبقى فيه ، لا تتعفّن ، وثالثها : أن الصفراء مثل الخل والخمر في اللطافة والحدة ، وهما لا يتعفنان . 3 - الأخلاط لا تتعفّن داخل العروق ، لأنها دائمة الحركة مع الدم ، والشيء الجاري لا يتعفّن . 4 - طعم الصفراء ليس بمر ، فإنا نجد كثيرا بخلاف ذلك . 5 - لا يجزم بوجود الغذاء المطلق الذي لا كيفية له قبل استحالته إلى الأخلاط ، لأنه من المستحيل أن يصير الغذاء بجملته جزء عضو كما يقولون ، بل تبقى عنه عند كل هضم لطخة ، والغذاء المطلق تبقى منه أيضا تلك اللطخة ، إلى غير ذلك من المسائل . ومن شعره قوله : سعاد سافرت وبقيت وحدي * أقاسي نار هجر وابتعاد وكنا في الحديقة في اجتماع * قضينا بعد ذلك بانفراد فغابت شمسها في الغرب حتى * بهت وعينها صادت فؤادي كأني ذات ليل في منامي * طويل الفرع مجتمع الوداد توفي في الرابع من رجب سنة ست وأربعين وثلاث مئة وألف في رامفور ، ونقلت جثته إلى دهلي ودفن بها .